محمد حسين علي الصغير

108

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

السماوات ) ، لأن الحقيقة في اسم الاستواء الذي هو تمام بعد نقصان ، واستقامة بعد اعوجاج ، من صفات الأجسام ، وعلامات المحدثات » « 1 » . وقد أورد في تعليل الاستواء السيوطي عدة وجوه لنفي التجسيم والكيفية يمكن النظر فيها « 2 » . وفي الآية ( و ) ينظر إلى المعنى بهذا المدرك ، فذاته القدسية لا تدرك ولا تعين ولا ترى ، وليست جسما متنقلا ، يقبل الحركة والذهاب والمجيء ، وإنما ذلك مجيء أمره ، وتجلي عظمته ، وإنزال قضائه ، وإرصاد إرادته الكائنة ، وكأنه قادم ومتمثل في تلك اللحظات الحاسمة بذاته المتعالية على سبيل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ . . . « 3 » . والإتيان ليس شأنه ، ولا قابل عليه ، ولا منظور إليه في السير أو التحرك أو الاتجاه ، وعائنة العباد خير جارية عليه ، فلامكان ، ولا مشادة ، ولا نقلة ، ولا مجيء ، ولا إتيان ، بل هو التطور اللغوي الذي أعطى الألفاظ معانيها الإضافية . وهو عند الزمخشري « تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه ، بحال الملك إذا حضر بنفسه ، وظهر بحضوره من آثار الهيبة السياسية ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه » « 4 » . ولا أميل إلى هذا التمثيل إذ لا مقارنة بين رب الأرباب والعباد في وجه من الوجوه ، بل أذهب فيه للمجازية على سنن كلام العرب ، وأؤيد ما أورده أبو حيان بأن مجيء اللّه تعالى « ليس مجيء نقلة ، والحركة عليه محال لأنها تكون من جسم ، والجسم يستحيل أن يكون أزليا » « 5 » . 2 - وحينما تكون الحقيقة القائمة أمرا حتميا ، وكيانا مرئيا مع القدرة غير المتناهية ، والخرق لعادات الأشياء ونواميس الطبيعة ، يكون التجوز في

--> ( 1 ) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 115 . ( 2 ) ظ : السيوطي ، الاتقان : 3 / 15 . ( 3 ) البقرة : 210 . ( 4 ) الزمخشري ، الكشاف : 4 / 253 . ( 5 ) أبو حيان ، البحر المحيط : 8 ، سورة الفجر .